محمد حسن بن معصوم القزويني
56
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خطّ يوما لأصحابه خطّا وقال : هذا سبيل اللّه ، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال : هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثمّ تلا هذه الآية : أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . « 1 » لكن الوسط الحقيقي صعب ، والثبات عليه أصعب ، ولذا لما نزل فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ « 2 » قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « شيّبتني سورة هود » « 3 » ، بل قيل : إنّ الصراط الموصوف بأنّه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف إشارة إليه ، ولذا أمرنا بالدعاء له في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . « 4 » فإنّ لكلّ من هذه الأخلاق الأربعة طرفا « 5 » افراط وتفريط ، وهما مذمومان ، والوسط في غاية البعد عنهما . ولذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « خير الأمور أوسطها » . « 6 » ومثاله : الخطّ الهندسي بين الظلّ والشمس لا من الظلّ ولا من الشمس . والتحقيق أنّ كمال الآدمي - كما عرفت - في التشبّه بالمجرّدات وهم منفكّون عن هذه الأوصاف المتضادّة والانفكاك الكلّي ممتنع بالنسبة إلى الانسان في أيّام حياته ، فكلّف بما يشبهه أعني الوسط ، فإن الماء الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي ليس بأبيض ولا أسود ، والبخل والتبذير من صفات الانسان ، فالمقتصد السخي لا بخيل ولا مبذّر ، فالصراط المستقيم هو الوسط
--> ( 1 ) الأنعام : 153 ، والرواية في الكشاف : ج 2 ، ص 80 ، ذيل الآية . ( 2 ) هود : 112 . ( 3 ) مجمع البيان : 5 / 199 . ( 4 ) الحمد : 6 . ( 5 ) كذا ، والصحيح ، طرفي . ( 6 ) المحجة البيضاء : 5 / 102 ، وفيه « أوساطها » .